الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
186
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يجوز أن تكون عطفا على جملة كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ لأن المقصود من الجملة المعطوف عليها أن رسالته لم تكن إلا مثل رسالة غيره من الرسل - عليهم السّلام - كما أشار إليه صفة أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ ، فتكون جملة وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً تتمة للجواب عن قولهم : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ . ويجوز أن تكون معترضة بين جملة قُلْ هُوَ رَبِّي وبين جملة أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ [ سورة الرعد : 33 ] كما سيأتي هنالك . ويجوز أن تكون محكية بالقول عطفا على جملة هُوَ رَبِّي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . والمعنى : لو أن كتابا من الكتب السالفة اشتمل على أكثر من الهداية فكانت مصادر لإيجاد العجائب لكان هذا القرآن كذلك ولكن لم يكن قرآن كذلك ، فهذا القرآن لا يتطلب منه الاشتمال على ذلك إذ ليس ذلك من سنن الكتب الإلهية . وجواب لَوْ محذوف لدلالة المقام عليه . وحذف جواب لَوْ كثير في القرآن كقوله : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ [ سورة الأنعام : 27 ] وقوله : وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ [ سورة السجدة : 12 ] . ويفيد ذلك معنى تعريضيا بالنداء عليهم بنهاية ضلالتهم ، إذ لم يهتدوا بهدي القرآن ودلائله والحال لو أن قرآنا أمر الجبال أن تسير والأرض أن تتقطع والموتى أن تتكلم لكان هذا القرآن بالغا ذلك ولكن ذلك ليس من شأن الكتب ، فيكون على حدّ قول أبيّ بن سلمى من الحماسة : ولو طار ذو حافر قبلها * لطارت ولكنه لم يطر ووجه تخصيص هذه الأشياء الثلاثة من بين الخوارق المفروضة ما رواه الواحدي والطبري عن ابن عباس : أن كفار قريش ، أبا جهل وابن أبي أميّة وغيرهما جلسوا خلف الكعبة ثم أرسلوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : لو وسّعت لنا جبال مكّة فسيرتها حتى تتسع أرضنا فنحترثهما فإنها ضيقة ، أو قرّب إلينا الشام فإنا نتجر إليها ، أو أخرج قصيا نكلمه . وقد يؤيد هذه الرواية أنه تكرر فرض تكليم الموتى بقوله في سورة الأنعام وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى [ سورة الأنعام : 111 ] ، فكان في ذكر هذه الأشياء إشارة إلى تهكمهم . وعلى هذا يكون قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ قطعت مسافات الأسفار كقوله تعالى : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ سورة الأنعام : 94 ] .